الدكتور محمد علي عبدي يكتب : لماذا الطبيب بحاجة إلى فسحة أدب؟

كثيرا ما تصدمك الحياة بمفاجآتها و منغصاتها او حتى برد فعلها الانتقامي تجاهك او تجاه سلوكك. حينئذ تغدو الحياة ساحة لتصفية الحسابات مع نفسك اولا او مع الآخرين ثانيا. المعركة التي من المتوقع ان تحدث هي ليست بالنار و السلاح بل هي معركة المشاعر و الأفكار و مجموعة القيم المتجذرة في مجتمع ليس كل شيء فيه على ما يرام او يخال إليك بأنك حكما ستنتصر او تهزم الآخر. لان احد أطراف الصراع واضح و موجود و كائن حقيقي اما الآخر فهو غائب و افتراضي و أحيانا من نسج خيالك. وجودك في مجتمعك و حضورك الفعال و كينونتك المؤثرة رهن توازنك و عطائك و وعيك لما انت محاط به من بيئة معقدة و أناس متقلبين و امتحان و اختبار لا يرحمك مهما بلغت المجد و العلياء و السؤدد.

في ظل هذه المعمعة و المواجهة غير العادية و غير العادلة حري بك ان تكون يقظا و متمرسا في التعامل مع غيرك صديقا كان ام عدوا.  من خلال خبرتي في الحياة بحكم مهنتي او بحكم علاقاتي الاجتماعية القريبة منها او البعيدة او بحكم دوري المجتمعي و اهتمامي بالشأن الثقافي تعرضت إلى مواقف محرجة منها ما هي متعلقة بممارسة الطب و اخرى بسبب انشغالي في الشأن العام  تؤثر سلبا على  وضعك النفسي و أحيانا تمس كرامتك و  كبريائك و كينونتك بالمجمل.

ممارسة الطب في مجتمعات على غرار ما نعيش فيها محفوفة بالمخاطر و مفتوحة على كل الاحتمالات التي من شأنها ان تهين الطبيب و تحاربه إلى حد التشهير و الفضح انتهاء بالحاق الاذى به مباشرة ما يشكل عبئا اضافيا على حالته النفسية و ضغطا قد يؤثر على سلوكه المهني و الاجتماعي. لذلك التوجه إلى الانشغال بالادب و ممارسة هواية أدبية من قراءة او كتابة او حتى المشاركة في حوارات او نقاشات أدبية او فكرية  قد يخفف عن الطبيب أعباء المهنة و مساوئ  الممارسة على الصعيد الشخصي او حتى الاجتماعي.

بالنسبة لي شخصيا لقد ابتسم لي الحظ في أن أكون بجانب اخلاصي و تعلقي بمهنتي عاشقا للأدب و قارئا نهما للكتب المتنوعة و مهتما بالجانب الروحي لهذه الهواية التي الهمتني و كانت عونا لي في تخطي الصدمات النفسية الناجمة عن اختلاطات عملي إلى الأخطاء التي كانت تحدث معي. انا من الناس الذين ادعو إلى المزج بين مهنة الطب و هواية القراءة و الاستمتاع بالأدب في حال يستحيل ان تتفرغ لاحداها دون الاخرى. ان تكون طبيبا في وسط يغض بالمعارف ضمن علاقات اجتماعية مثقلة بعادات فرضتها البيئة المحيطة بك هو مسؤولية كبيرة تأخذ منك الوقت و الصحة و ترهقك نفسيا. عكس ذلك هو ان تمارس الطب في اوساط مدنية متطورة و بعيدة عن بيئتك الخاصة يخفض التوتر و الإرهاق و القلق. لذلك في ظل هذه الافرازات و السلبيات حري بك ان تستمتع في اوقات راحتك بجانبك الروحي الذي عادة ما يكون امتدادا و نتيجة للتعب الجسدي و الثقل المهني اليومي. الادب هو النافذة المأمولة الوحيدة التي بإمكانك ان تتنفس منها الهواء النقى و تستمتع بمناظر خلابة و جمال قوس قزحك ما يضفى على الحياة أملا و يزيدها القا و رونقا عكس ما نراه في ميدان المهنة من أمراض و آلام و تشوهات و آهات و وفيات و قبح احيانا، حيث تحول لك الحياة إلى جحيم  و المنامات الى كوابيس في أغلب الأحيان.

عدا عن ذلك يتوجب على أصحاب هذه المهنة ان يكونوا على اهبة الاستعداد في تلبية نداءات الناس في تقديم ما يلزم دون تردد او نقاش. كل هذا يجعلك تفقد صوابك و تخرجك عن المألوف في كثير من المواقف و تكلفك غاليا جسديا و نفسيا. بناء عليه يترتب على الطبيب ان يمتلك جملة عصبية متوازنة متمرسة و مرنة و ثراء روحيا متناغما لكي يتجاوز الصدمات الموجعة و يحافظ على توازنه كإنسان اولا و وكطبيب ثانيا. بما ان عالم الطب يعد بمثابة حقل ألغام محفوف بالمخاطر و الكوارث ما يجعل المشي فيه يتطلب دراية بما حولك و تمتعك بإرادة قوية و امتلاكك لحالة نفسية تستطيع استقبال الصدمة و امتصاصها لا بل معالجتها او الخروج منها بأقل التكاليف جسديا و روحيا. كل هذا يتحقق بفضل تنمية قدراتك الأدبية و هواياتك في هذا المجال. ناهيك عن ان الأديب الطبيب عادة ما يكون مبدعا في ممارسة عمله الطبي العلاجي او العملياتي بالتوازي مع ابداعه في مجال الادب كون الاخير يساهم في خلق كاريزما هادئة رزينة و مشبعة بالإنسانية و محفزة لأدائه المهني حيث يفتقدها الكثير من اقراني الأطباء.

بنفس الإيقاع  يعد ميدان الطب مادة ثرية و ينبوع لا ينضب و مصدر الهام للكثير من الأدباء الأطباء في خلق حالة إبداعية و كتابة أعظم نتاجات أدبية كون المعاناة كبيرة في وسط يضج بالآلام و الأمراض و الانحرافات الجسدية و النفسية. حالة الوفاة التي احيانا نستسهلها او لا نعيرها الاهتمام اللازم هي حكاية أدبية فيها الكثير من الدروس و الافكار و العبر و قد تكون مدخلا لكتابة رواية او قصة. إنقاذ مريض من الموت المحتم نتيجة جلطة قلبية تعد ملحمة أدبية و تخفيف الألم عند مريض يعاني من خناق صدر أحيانا يعتبر مصدر الهام في كتابة أعظم نص شعري و هلمجرا.

نستنتج ما سبق أن الطب و الادب يتواجدان في علاقة جدلية لا انفصام بينهما فبقدر ما يكون الميدان الطبي حافزا للإبداع الأدبي يكون حقل الأدب الأرضية الخصبة للراحة المهنية و عاملا مهما في الاستقرار النفسي للطبيب….

الدكتور محمد علي عبدي المدير العام لمشفى القلب والعين في القامشلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق