جوان فرسو: نحنُ المغتربون محكومون بالتوتّر، وفي سعينا للتخلص من هذا التوتر ندّعي أننا سننسلخ عن ماضينا

وجوه ثقافية مع محمود عبدو (2-2)

تتمة للحوار الذي بدأناه سابقا مع الشاعر “جوان فرسو” في جزئه الثاني والأخير ضمن سلسلة مشروعنا” وجوه ثقافية” لنجد الشاعر في إجاباته مفعما بصراع الأضداد محاولا القبض على إيقاع الحياة بأدوات الشّعر كقناص منهجه الصورة الشعرية ومفكرته النسق الجمالي وما تضمه من خيالات.

 أين هو جوان فرسو الآن في خضم كل هذه الأمواج والفوضى؟

أنا موجود بكل هذه العفوية والتراكمية والفوضى، لست مختصاً في مجالٍ معيّن، وقد يشكل هذا الأمر تحدياً كبيراً لي لكنني أحب التحديات والمراهنة على قدراتي، لدي مشاريع كتابية معينة في الرواية وغيرها تحتاج إلى وقت معين لإتمامها، بالإضافة إلى أنني أقوم بالنشر المرئي والمسموع وأصنع المحتوى في قنواتي على وسائل التواصل، وشيئاً فشيئاً سوف تتمحور حياتي حول هاتين النقطتين: الكتابة وصناعة المحتوى..

لغتك كالكثير من شعراء عامودا تكثر من الألغاز الشعرية والمفردة الصعبة للقارئ العادي أيهما أفضل برأيك أن تكتب للعامة وتصل رسائلك الشعرية سلسة أم تستعصي نصوصك وتستصعبها لقراء النخبة؟

اختلفت فلسفتي الكتابية كثيراً بين الماضي والحاضر، في 2008 عندما نشرت مجموعتي الشعرية كنت متأثراً إلى حدٍّ كبير بسليم بركات، ولذلك يمكنك أن تلاحظ هذا الأمر في قراءة مقتطفات من مجموعتي الشعرية، أقول مثلاً:

نُعاسُ العدمِ وصوتُ الهدوءِ بما يجاري الصمت.. حينما تغفو القلوبُ فوق أسرّةِ نصفها الآخر..

مذاقه الزُّهدُ

حينما ينحصرُ شراعُ الرّغبةِ فيه فيتلو من انصهار اللّذة

في حليبِ الشفتين سرداً لاحتكام الأساطير في ذوبانها اللا متناهي إلى عبقرية التاريخ..

ويحلم بنا..

حينما نفتحُ شبابيكَ هواجسنا

علّه يسندُ انسيابية الملمس في رئتيه، وظهره للشّمسِ

في خاصرة الشّلال..

يمكن أن ترى هذا الأسلوب المليء بالألغاز والصور المبهمة، لكن لو عاد بي الزمن لغيّرت أو دعني أقول لطوّرت العديد من التراكيب لتصبح أكثر ألفةً للمتلقي..

أنا لا أرى أن الهدف من الكتابة هو الكتابة بحد ذاتها، إذ يجب أن تحدث تغييراً ما أو على الأقل تأثيرا معيناً وإلا كنت في واد والقارئ في وادٍ آخر..

الكتابة للنخبة ليست امتيازاً وربما تكون تقوقعاً من نوعٍ آخر، فالنخبة يمكنهم فهم كتابات العامة لكن العامة لا يمكنهم فهم كتابات النخبة، وهذا لا يعني أن نستخف بالكتابة لدرجة استسهالها أو القضاء على الجوانب البلاغية والفنية فيها، ولكن أن نرحمها من شبح الألغاز العصية على الفك، والأحجيات العصية على الفهم..

ديوانك الوحيد “تلك التي” بقي دالا على شعريتك الفذّة هل ستبقيه وحيدا وترحل -لا سمح الله-كما الراحل اسماعيل كوسه؟

قلبي يعتصر دماً وأنا أستحضر في هذه اللحظات ذكرى الشاعر والصديق العزيز إسماعيل كوسا، لقد غادرنا باكراً تماماً مثل القصيدة التي قالها يوماُ ما بالعنوان ذاته.. إسماعيل كوسا هو شاعر مثل الكثير من الشعراء الذين هزمتهم الحياة، فالحياة باتت صعبة للغاية في هذه البقعة الجغرافية من الكرة الأرضية، وأجزم أن لو تلقى إسماعيل كوسا الدعم والمساندة من المؤسسات الثقافية منذ البداية لصار اسماً وكاتباً يُشار إليه بالبنان، ولقدم للأجيال القادمة والحالية الكثير من النتاجات الإبداعية، لقد مات كوسا لكنه لم يمت فارغاً، لقد رحل وجعبته مليئة بالأفكار الإبداعية التي حالت ظروف الحياة دون ظهورها للعلن.. أخشى ما أخشاه أن العديد من المبدعين يعيشون في الدوامة ذاتها وأرجو أن نتكاتف لتشجيع الحركة الثقافية والوقوف إلى جانب مثقفينا في ازماتهم وظروفهم سواءً المادية أو الصحية أو الاجتماعية، وخلق أجواء مناسبة لتشجيع المبدعين على إصدار نتاجات جديدة ودفع حركة الطباعة نحو الأمام..

بالنسبة لي آمل ألا تظل مجموعتي الشعرية وحيدة ويتيمة مدى الحياة، لكن توجهي الآن نحو الكتابة الروائية ولا أريد أن أفصح عن المزيد لكن الشعر يبقى أم الآداب بالنسبة لي، وتوجد لدي أفكار ومشاريع في أوقاتٍ لاحقة إذا حظينا بالمزيد من العمر في هذه الحياة القصيرة للغاية..

بعد هجرتك لبريطانيا هل بقي الشّاعر في عامودا أم هاجر معك؟

سؤال خطير، عميق محزن مبكي، في الحقيقة هذا السؤال هزّني من الداخل..

نحنُ المغتربون محكومون بالتوتّر، وفي سعينا للتخلص من هذا التوتر ندّعي أننا سننسلخ عن ماضينا وننطلق من جديد إلى عالم جديد وحياة جديدة، لكننا نكتشف سريعاً أن انسلاخنا عن جذورنا وماضينا هي محاولة فاشلة مثل السلحفاة التي تنوي الانسلاخ عن قوقعتها والتحرر منها..

أنا يا صديقي لا زال جزءٌ كبيرٌ مني في عامودا ليس فقط لأن أمي وأبي، أخوتي، وقبر أخي.. والكثير من الأصدقاء والذكريات في عامودا، وحتى في جميع المدن من عامودا إلى ديريك، ولكن أيضاً لأنني أعتبر نفسي ممثلاً عن كرديّتي هنا في بريطانيا، وبالتالي هذا سينعكس على كل ما سأنتجه في المستقبل، وسيوجه اهتماماتي وأنشطتي نحو قضية شعبي ووطني ومسقط رأسي، لن أتنكر لقوميتي، أو للمكان الذي أنتمي إليه وسأبقى منتمياً إليه مدى الحياة..

اليوم أربّي أولادي على كل المفاهيم الجميلة والقومية والاجتماعية التي تربينا عليها، والغربة لا تعني أن ننسلخ عن جذورنا أو نصير غرباء عن هويتنا..

ابتعادك عن السطر والكتابة للتصوير واليوتيوب ما مرده؟

هو ليس ابتعاداً بالمعنى الحرفي، وإنما خطوة إلى الأمام لإغناء الكتابة وإثرائها ورفدها بتقنيات جديدة ومعاصرة، الكتابة ستبقى وتعود بالصورة التي ينبغي لها أن تكون جنباً إلى جنب مع صناعة المحتوى، وكل منهما سوف يكمل الآخر ويغنيه..

قد يكون هذا الكلام نظرياً إذا ما علمنا أن الجانب العملي منه يتضمن الكثير من التفاصيل، سوف تخرج بذور الأفكار إلى السطح وتنبت إذا ما سقيناها بالعمل والتصميم، هذا يعتمد كما قلت لك على التوفيق وإذا كان لنا نصيب في العيش لمدة أطول بإذن الله.. “إذا الله عطانا عمر!”.

نبذة مقتضبة:

جوان فرسو – مواليد عامودا 1984 – حاصل على شهادة الماجستير في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ودبلوم التأهيل التربوي من جامعة دمشق.. عمل في التدريس وفي مجال الإعلام كمراسل صحفي ومديراً للتحرير ومقدماً للبرامج مع العديد من الجهات الإعلامية منها: الاختلاف ثروة – بربانج – إذاعة آرتا – مجلة الجسر.. اعتقل العام 2012 نتيجة عمله مع المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في دمشق .. عمل مع منظمات الإغاثة الدولية سبع سنوات كمدير لقسم التعليم وقام بتأليف قصص الأطفال ومناهج التعليم غير الرسمي للأنشطة الإغاثية.. نال جائزة الدكتور عبدالفتاح خليفة للقصة القصيرة في مصر في دورتها الثانية عن قصته “ساعي البريد” العام 2010، والمركز الأول في المسابقات الشعرية السورية على مستوى الشباب للعام 2002 .. له مجموعة شعرية بعنوان (تلك التي) ..

رأي واحد على “جوان فرسو: نحنُ المغتربون محكومون بالتوتّر، وفي سعينا للتخلص من هذا التوتر ندّعي أننا سننسلخ عن ماضينا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق