في محاولة للتغطية على الدور المحدود لتركيا في حرب غزة أردوغان “يدخل” معركة غزة بعرض مسلسل عن صلاح الدين الأيوبي

اختار التلفزيون التركي عرض مسلسله “فاتح القدس صلاح الدين الأيوبي” بالتزامن مع التصعيد بين إسرائيل وحركة حماس، في توقيت موجه سياسيّا لتأمين “دخول” الرئيس التركي رجب طيب أردوغان معركة غزة من بوابة أحد المسلسلات التاريخية بهدف إسقاط الماضي على الحاضر والاستفادة من زخمه ودلالته للتخفيف من محدودية التحرك في الحاضر.

ويركز كتّاب السيناريو على شخصية صلاح الدين كقائد إسلامي دون إثارة أصله الكردي، حتى لا يؤثر على الهدف من استثماره في إظهار الدور التركي في حملته لفتح القدس من خلال إعطاء مساحات أكبر لتسليط الضوء على فكرة أن الكثيرين من جيشه كانوا من الأمراء والجنود الأتراك الذين ورثهم عن سلطنة الأمير التركي نورالدين زنكي سلطان دمشق وحلب.

ويراهن المسؤولون الأتراك على أن المسلسلات التاريخية تساعد بشكل أفضل من المواقف السياسية الآنية على نقل وجهة نظر بلادهم وترسيخها في أذهان جمهور واسع من أنصار المسلسلات في العالم الإسلامي، خاصة أنها تُتَرجم إلى لغات عديدة وتُبَث بشكل متزامن وعلى فترات طويلة، ما يتيح التعلق بأبطال المسلسلات المروجة لصورة تركيا.

وسيكون مسلسل “فاتح القدس صلاح الدين الأيوبي” الأكثر أهمية بالنسبة إلى تركيا نظرا لتزامن بثه، على الأرجح بشكل مقصود، مع التصعيد في غزة لإظهار أن تركيا لها ميراث في نصرة الفلسطينيين، وأن الأمراء والجنود التابعين للقبائل التركية كان لهم دور مؤثر في فتح القدس وهَزْم الصليبيين.

وتبدو تركيا حاليّا في أمس الحاجة إلى تمجيد الماضي بهدف التغطية على الدور المحدود للرئيس أردوغان في نجدة الفلسطينيين. ويعرف الرئيس التركي أن السقوط في اختبار الملف الفلسطيني لا يمكنه لاحقا إصلاحه لدى الشارع العربي والإسلامي.

وبعد أن تعمد في البداية التهدئة وتجنب الهجوم على إسرائيل لحسابات سياسية تقوم على رغبة أنقرة في توطيد علاقتها مع حكومة بنيامين نتنياهو، اضطر أردوغان، على وقع الانتقادات الواسعة التي طالته، إلى الإدلاء بتصريحات تهاجم إسرائيل ولم تتجاوز هدف تبرئة النفس.

وسعت المسلسلات التاريخية إلى تقديم صورة عن تركيا  كإمبراطورية مترامية الأطراف وحققت الكثير من النجاحات وسيطرت على العالم الإسلامي لقرون وصنعت شخصيات موحّدة. وتضمنت في أغلبها إيحاءات وإشارات مبطنة إلى ضرورة إحياء تلك الإمبراطورية واستعادة تلك الشخصيات، وهو ما مثل مسعى واضحا لخدمة صورة أردوغان وحلمه بتزعّم الإقليم.

وتروي المسلسلات التركية التاريخ بما يتناسب مع المصالح السياسية لحكم أردوغان بشكل يمجد التاريخ العثماني أكثر من رواية الحقائق والأحداث التي اختلف حولها المؤرخون وأبدوا اعتراضهم على ما جاء في بعض هذه المسلسلات من مخالفة للوقائع التاريخية الموثقة.

وتقول الكثير من البحوث التاريخية إن الحكم العثماني لم يكن كما تصوره المسلسلات التركية عنصر توحيد، وإن العثمانيين ارتكبوا مجازر في بلاد المسلمين شرقا وغربا، وإنهم اضطهدوا الشعوب التي حكموها باسم الخلافة وفقّروها. وباتت المسلسلات التاريخية عنصرا من عناصر القوة الناعمة التركية، وفي الوقت نفسه مصدرا لعائدات مالية ضخمة.

وصدّرَت تركيا مسلسلاتها خلال السنوات الخمس الماضية إلى نحو 152 دولة في العالم. واحتلت بذلك المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث الطلب من الخارج، وفقا لتقرير نشرته غرفة التجارة في إسطنبول.

وكشف التقرير تقدُّم صناعة السينما التركية التي صارت توفّر عائدات مجزية، إضافة إلى حصول العديد من الإنتاجات الدرامية على جوائز عالمية. وتجاوزت قيمة تصدير المسلسلات 500 مليون دولار.

ويتناول المسلسل تحرير القدس على يد صلاح الدين وصعود العالم الإسلامي مجددا عقب ذلك، وهو من إخراج سادات إينجي، ويعرض على القناة الأولى في التلفزيون التركي (تي أر تي 1).

وكان المخرج السوري الراحل حاتم علي قد قدم مسلسلا عن صلاح الدين تزامنا مع انتفاضة الأقصى عام 2000. وقال الممثل التركي أوغور غونش الذي يجسد دور صلاح الدين الأيوبي في المسلسل إنه قام بدراسة واسعة حول حياة القائد التاريخي، واطلع على سيرته قبل البدء بالتصوير.

وأعرب غونش في تصريح للأناضول عن افتخاره بتجسيد دور صلاح الدين في المسلسل، الذي يسلط الضوء على حقبة هامة في تاريخ المنطقة. وأضاف “صلاح الدين الأيوبي يعني الرحمة والعدالة بالنسبة إليّ، كان عالمًا وقائدًا عظيمًا”.

وذكر أن أكثر جانب أثّر فيه من سيرة صلاح الدين هو تحوله إلى محارب عظيم. وقال “إنه لأمر مثير للإعجاب حقا أنه فعل ذلك من خلال العدالة والعقل والرحمة”. ولفت إلى أن العالم الإسلامي بأكمله ينتظر هذا المسلسل، وأعرب عن أمله في أن يمنح هذا العمل بارقة أمل للناس في فلسطين.

بدوره أفاد المنتج أمره قونوق بأن تحضيرات العمل استغرقت نحو عامين. وذكر أنه جرى إعداد ديكورات تحاكي تلك الحقبة التاريخية، على مساحة 60 دنما، من أجل تصوير العمل. وأشار قونوق إلى مكانة القدس الهامة لدى المسلمين، وقضيتها الحاضرة في مختلف الفترات.

وأضاف أن إنتاج عمل يروي سيرة صلاح الدين الأيوبي كان بمثابة حلم بعيد المنال بالنسبة إليهم وتحقق في هذا الوقت، لافتا إلى تزامن عرض مسلسل صلاح الدين الأيوبي مع الأحداث التي تشهدها الأراضي الفلسطينية مؤخرا.

وقال “إن المسلسلات والأفلام لها تأثير يسهم في تضميد جراح الناس”، وأعرب عن أمله في أن يكون لمسلسل صلاح الدين مثل هذه الفائدة. وأقرّ بأن “صلاح الدين الأيوبي كان قائدًا نادرًا تمت الإشادة به في المصادر التاريخية الشرقية والغربية، وحرر القدس دون إراقة دماء وأعطى الحرية للناس من جميع الأديان”.

المصدر:

https://alarab.co.uk/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق