البرتغالي خوسيه ساراماجو: أحيانا أخاطب نفسي قائلا: لا تنس أنهم أعطوك جائزة

(الكهف) هو الكتاب الأول الذي ظهر بعد ان حاز الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماجو على جائزة نوبل عام 1998. ومن خلال حياة عائلة من الفخارين, تولد مرة أخري وصمة الفقر والتهميش في عمل تام بطريقة لا تصدق.

* عندما تسلم جائزة نوبل, قال انه يحتاج إلى وقت من اجل التعود على الفكرة. ترى هل تعود فعلا؟

ـ تقريبا. فأحيانا ينبغي ان أخاطب نفسي قائلا: (لا تنس أنهم أعطوك جائزة). وهذه هي وضعية شخص مضطهد جدا, وأنا لست مضطهدا لهذه لدرجة كما يعتقد أحيانا, لكني قطعا لست مغرورا مثلما يقول آخرون. لكن الوصول إلى هذا العمر دون ان يكون لدي في أية لحظة من حياتي, الطموح في التوصل إلى هذا.. إذ أني عشت أيامي, يوما بيوم, في لحظتها وساعتها وعملها ومسئوليتها, كما هي حال العالم كله تقريبا, الذي يولد ويعيش وينمو ويعمل إلى ان تصل اللحظة التي يرحل فيها دون ان يترك شيئا. وكان من الممكن ان يحدث هذا, وخاصة لأني ولدت في كنف عائلة لم تملك شيئا وأمي لم تكن تعرف القراءة على عكس والدي, لكنه لم يكن يقرأ. واشتريت أول كتبي وعمري 18 عاما, مع أني كنت قد قرأت كثيرا جدا في المكتبات العامة, وبالتالي كان يمكن ان يصوب كل شيء في حياتي إلى أي شيء, لكن ليس إلى جائزة نوبل.

* إذن من هناك جاءت جملة (لم أولد من اجل هذا)؟

ـ من المؤكد ان المرء لا يولد من اجل جائزة نوبل, مثلما لا يولد لهذا أو لذاك, مع ان هناك ملايين من الناس يولدون وهم يعرفون من اجل ماذا يولدون: من اجل البؤس.. وكان من الممكن ان يكون هذا حالي, لأني ولدت في قرية مضطهدة وفي عائلة من الرعاة ولا اذكر ان أحدا آخر من عائلتي كان يعرف القراءة.
وما أتذكره هو أني قلت وأنا في الـ 17 من عمري: (كان يعجبني ان أكون كاتبا). لكن لم يعطني أحد في تلك اللحظة أي ضمان بأن هذا كان من الممكن ان يحدث وحدث. وجرى بعكس ما هي خرافة عصرية, أي ان المرء يدخل في الشيخوخة بدءا من الـ 35 عاما. وربما من الجدير ذكره ان فيردي لحن الـ (السعيد) عن عمر يناهز التسعين عاما وأنا حصلت على جائزة نوبل وعمري 76 إذن اعمل معروفا ولا تزدري الكبار لأن لديهم خبرة كبيرة وعملوا كثيرا وعانوا وأحسوا وتأملوا كثيرا وفي الأثناء التي لا يصل فيها (الزهايمر) إلينا سنواصل العمل.

* لكن تلك العبارة (أريد ان أصبح كاتبا, كانت لا تزال إعلانا طفوليا. متى قررت في الواقع انك كنت ميالا إلى الأدب؟

ـ في الحقيقة كان ذلك طفوليا بعض الشيء. اذ اني رغبت بأن أصبح ميكانيكي قطارات, لأن فكرة ان أقود قطارا وأنا احمل في الخلف 400 او 500 شخص تحت مسئوليتي كانت قد أثلجت صدري كثيرا. لكن, حسنا, بعمر 23 او 24 عاما كتبت رواية نشرت في عام 1974 ولم تكن لا سيئة ولا جيدة. وأدركت بسعادة بالغة انه ما كان عندي الكثير لأقوله وأقلعت عن الكتابة طوال عشرين عاما. أما الجزء الأهم من عملي الأدبي فانه يبدأ في العام 1977 مع (منوال الرسم وفن الخط) وفي 1982 (مذكرة الدير), الرواية التي فتحت لي بوابات المعرفة العالمية. وهكذا وصلت إلى الستين عاما, أي عندما أصبح لدي معظم الكتاب أعمالهم المنتهية او المتقدمة. فأنا كاتب عجوز من الجيل الجديد.

* هل يتضمن هذا عبرة من اجل الكتاب الشباب؟

ـ نعم, بشكل خاص لأولئك الذين لا يصبرون, الذين يعتقدون انه بعمر الثلاثين ونيف يكون كل شيء انتهى وانه بدءا من ذلك الحين لن يبق شيء جدير بالاهتمام. وبذلك هم يخطئون بشكل رهيب. فطالما يعمل الرأس, لا فرق بين الـ 80 عاما من العمر والـ 14.

* كيف يولد أدبك, من أية نقطة ينطلق؟ يصعب تخيل كيف تنشأ عوالمك, هذه الأساطير الباطنية؟

ـ الحقيقة أحيانا تنتابني بعض الشكوك حول إذا ما كنت في واقع الأمر روائيا. وربما أنا اكتب الروايات لأني لا أستطيع كتابة الأبحاث.. وفي حال لا املك فكرة قوية فاني لا اكتب. وعندما انهي كتابة رواية ما, لا يكون قد تبقى عندي شيء لأكتبه. وبعدها أظل منتظرا. على عكس بالزاك الذي كان لديه أسلوب روائي واضح. وأظل منتظرا حتى تظهر فكرة أخرى. كما يمكن ان تظهر بأشكال لا تخطر ببال حيث ظهرت (طوف الحجر) في حديث مع صحفي كان يتكلم عن البرتغاليين الذين يهاجرون وفيما بعد يرغبون بالعودة إلى أرضهم.
هذا ما شكل نواة فكرة حالة من الانكسار والانفصال تذهب من خلالها ذكرى المهاجر وتبقى في الوقت ذاته. وتحول ذلك الشيء الصغير, الذي لا يحمل بين طياته أي شيء من التسامي, إلى انفصال ما دي عن شبه الجزيرة الايبيرية مثل طوف من حجر متحول في جزيرة بين أفريقيا وأمريكا. أما رواية (الإنجيل حسب يسوع), مهما بدا الحدث فيها غريبا جدا, فقد ولد من خداع بصري, وهو أمر لا يصدق لأنه لا يمكن عندي أي دافع لأضع نفسي في كتابة حياة أخرى عن يسوع. لكن الذي حدث اني شاهدت في اشبيلية في كشك للمجلات ذلك العنوان بالبرتغالية. واصلت التقدم في المسير وبعدها توقفت: (حينا, هذا لا يوجد, انه هذيان).
فعدت لكن العنوان لم يكن موجودا على الإطلاق لا في اللاتينية ولا اليونانية ولا البرتغالية ولا الأسبانية ولا في أية لغة أخرى ولا شيء. ما أحاول قوله اني لا ابحث عن أفكار للروايات. وإنما انتظر ان تفرض عليّ كشيء استشعره ويهجس بداخلي ان هذا هو الموضوع الذي احتاجه. وتبقى الرواية الأخيرة (الكهف) التي صدرت في ديسمبر المنصرم, والتي ولدت من لوحة هائلة كانت تعلن عن مركز تجاري جديد.

* وتنتهي مشيرة إلى أفلاطون..

ـ انه لأمر حتمي, لأني اعتقد إننا لم نعش أبدا إلى هذا الحد في كهف أفلاطون مثلما نفعل الآن, اذ ان أفلاطون كتب هذه الأسطورة من اجلنا نحن, مع انه لم يعرف ذلك, ونحن نعيش الآن في مغارته نخلط بين الخيالات والواقع.

* وبمجرد ان تفرض الفكرة نفسها, هل تفرض الرواية ذاتها ايضا؟ لان الكثير منها مبني كمتاهة باتجاه الباطن بشخصيات تحقق مع ذاتها بذاتها؟

ـ اكتب مثل شجرة, تولد وتنمو ولا تقول: أخطأت عليّ الرجوع إلى الوراء) وهذا لا يعني اني لا اخطىء, وإنما ما عليّ تصحيحه, أصححه هناك.

* ذلك مثير للفضول, ان تنتج مع هذا الأسلوب تأثير النفق الذي يبدو فيه الكاتب والقارىء على السواء يمضيان في احتجاز نفسيهما حين يأخذ (النفق) بالتعقيد تدريجيا ويصبح حالكا مع كل خطوة يتقدمان بها إلى الأمام.

ـ هناك روايات يكون فيها هذا واضحا, مثل (تاريخ سيرك ليسباو) وأنا اعتقدت بوجود ثلاثة مستويات أدبية عندي, كما وجد بروفيسور أرجنتيني سبعة منها وهو على حق.

* أبرزت الأكاديمية السويسرية عنصرا استشرافنا في بعض كتبك…

ـ ما يحدث ولا اعرف ان كان من سوء أم من حسن الحظ, هو اني شخص يشعر بالقلق, ويقولون لي: علام القلق, ولديك جائزة نوبل والصحة والبيت, لكني لا أملك خيارا اخر: أنا اقلق لان العالم ما هو إلا مأساة شمولية, لذلك أنا لا اكرر مواضيعي ولا أعود إلى الوراء ولا استغل شيئا أصبح من الماضي في سبيل تطويره, واليوم الذي لا يكون عندي شيئا لأقوله, أؤكد اني سأسكت, والحقيقة هي رغم اني لا أؤمن في الكاتب كنوع من المبشرين, عليه ان يمضي في كل مكان ينادي على رؤوس الأشهاد, إلا اني اعتبره كمواطن عادي, لديه الالتزام والخطط والمسئولية في الكتابة والتوصل إلى درجة معينة من ان يكون مقروءا.

* أنت تقول انك لا تعود إلى مواضيعك, لكن عندما يقرأ كتاب لساراماجو, فإن المرء يجد ما ينتظره بشكل دقيق, العالم والكون وطريقه رؤية الأشياء, هل تريد القول أنها أشياء غير متداولة؟

ـ انظر, أنا بربري لدرجة اني اجزم ان الروائي ليس موجودا او انه ابتكار لإحدى الجامعات, الروائي هو شخص إضافي في قصة ليست قصته, ما أريد قوله هو ان قارئي يعرف بشكل حقيقي ذلك الذي يتكلم معه ويعرف انه ليس روائيا (لا شخصيا) وإنما أنا بعلاقتي الوطيدة مع كل ما اروي وعندما ينتهي كل هذا ويكون العمل مكتملا, فإن أي قارىء وفي أي مكان يمكنه القول: لقد قرأت حياة هذا السيد وأنا اعرفه) وهذا بالضبط ما أريد.

* يقول هارولد بلوم, ان كل الأدب ما هو إلا كفاح ضد كتاب آخرين سابقين مع أي نماذج تكافح أنت؟

ـ أنا اتفق في كثير من الأشياء مع (بلوم) لكن في هذه لا, ذلك ان شخصا قرأ كثيرا, لا يستطيع واعتقد انه لا يجب عليه اختيار كاتب كان قد اثر إلى حد معين في عمله الخاص, لأننا نستقبل من الجميع شيئا ما, لكن إذا وضع جانبا الحديث عن التأثيرات وتناولنا المرجعيات فإني أشير إلى كافكا ومونتاني وسيرفانتس بالإضافة إلى قس يسوعي, برتغالي لم يكتب أكثر من رسائل ومواعظ, انطونيو فييرا, هؤلاء هم مرجعياتي, ولن أقول أنها أدبية للغاية, إنهم مثل الأقارب مع إنهم ربما لا يوافقونني الرأي, وأنا أسف جدا, لكن بما أنهم أموات, لا يستطيعون دحض وجهة نظري.

* في أدبك, يمكن التمييز بين بيئتين كبيرتين من القلق, التاريخ والهوية, وهي وحدات متباينة جدا, أين تجد الصلة؟

ـ حسنا, ان بعد تاريخ ما هو اكبر من الآخر بشكل ظاهري فقط, لان الجزء يساوي الكل, وتقديري للأفعال التاريخية على علاقة مع ذاتيتي الخاصة والعالم الخارجي ليس اكبر من الداخلي حيث ينبغي ان نكون متيقظين جدا, لان التاريخ كان دائما اختيار أفعال, ولا اقصد انه مزور لكنه مبتور, عندما كان عمري 17 او 18 عاما, كنت اذهب كثيرا إلى أوبرا (ليسباو) وستتساءل: لم يكن عنده كتب لكن كان يذهب إلى الأوبرا كيف؟ لكن الذي جرى هو ان أبي كان يعرف بواب المسرح وعند بدء العرض كان يضعني بجانب البوابة يسمح لي بالصعود لغاية (قفص الدجاج) وفي الجزء العلوي من المقصورة الحقيقية كان هناك تاج إذا شوهد من جانب الجمهور كان يبدو بكامل بهائه, قطعة رائعة لكن التاج لم يكن كاملا, اذ انه ليس أكثر من واجهة له ثلاثة أرباع الأجزاء وكان فارغا, ومليئا من الداخل بنسيج عنكبوت, بما في ذلك أعقاب سجائر جمهورية, ونحن عرفنا حقيقة التاج لأننا كنا في الجانب الاخر, فعندما تكون في الجانب الاخر لا يكون لديك خيار اخر.
لكن انطلاقا من لحظة معينة في حياتك يمكنك البدء بالقيام بدورة حول الأشياء, وحينها ستعرف أكثر في العمق ما هي إلا محاولة لمعرفة ما حدث لان التاريخ يكتب دائما من وجهة نظر المنتصرين.

* يبدل بطل (تاريخ سيرك ليسباو) سياق التاريخ, لكن ينتبه المرء فجأة بأنه لا يبحث سوى عن هويته الخاصة.

ـ نعم, لان هناك كلمة واحدة أكثر ضرورة دائما وخاصة الآن: لا, اذ أننا فقدنا القدرة على الاستنكار والمقاومة, لأنا دائما نخاف اليوم من الغد.

* في الواقع ان ما يضيفه ذلك الشخص ما هو إلا كلمة واحدة (لا).

ـ انه يراجع كتاب مؤرخ ما ويغضب بسبب تزوير الوثائق ويقرر ضد ما هو متعارف عليه حول مصنع الطباعة إدخال كلمة لا: ذلك هو وضع التاريخ بالمقلوب, وفي العمق, محاولة للقيام بجولة حول التاج لمشاهدة ما هو في الخلف.

* توحي نصوصك بثبات ان البحث عن الذات يمر عبر البحث عن الآخرين.

ـ نعم من خلال الآخرين, مع ان الأمر أكثر تعقيدا من ذلك, فأنا مدرك لما قمت بتبسيطه, لأني لست أكيدا من إمكانية ذلك, نحن نعرف ان ما نسميه بالتأمل الباطني ما هو سوى سراب, لان المرء ينظر فقط إلى ما يريد ان يراه, طبعا, كان لثقافات أخرى علاقة مع الطبيعة مختلفة بشكل كامل, والانا كافتراض شامل مولود من مدنية محددة, اليهودية ـ المسيحية, ربما هي سراب اخر.

* عقلاني..

ـ لم أمر في أية أزمة دينية طوال حياتي.. فأنا العلماني الأكثر هدوءا الذي يمكن تخيله.. وأنا لا أخشى شيئا.

* أسف الفاتيكان على إنهم أعطوك جائزة نوبل لكن الآن وفي الآونة الأخيرة تبدو أكثر كعنيد متشائم, الأمر الذي يثير الفضول, لان الأفكار الشيوعية اعتادت على ان تكون متفائلة أكثر بالنسبة لمستقبل الإنسانية وحركة التاريخ.

ـ الحقيقة هي ان كل ذلك قد انتهى الآن ولقد أدركنا ذلك. هناك مقولة في (العائلة المقدسة) لماركس وانجلس: إذا كان الإنسان مكونا من الأحداث, إذن ينبغي تكوين الإحداث بشكل إنساني). يبدو ان ذلك لعبة كلمات, لكن المسألة ليست على هذا النحو: هناك توجد كل ماهية مشكلة لم تحل بعد, واقل ما يمكن ان يقال هو إننا نشكل الأحداث بشكل إنساني من أجل ان يتشكل الناس بشكل إنساني.

* ابعد من الرأسمالية, يبدو ان تشاؤمك له علاقة بتطور القرن العشرين.

ـ لا, له علاقة مع النوع الإنساني, فقبل عامين, أرسل إلى بلدة (مارتي) جهازا صغيرا من اجل تحليل الصخور, ما الذي يهمني من صخور (مارتي)؟ المشكلة ان الناس يموتون جوعا هنا, في حين انه بعشرة بالمئة مما ينفقونه على التسلح في العالم من الممكن حل مشكلة الأمية, وفي حسابات الأسياد الذين يحكموننا والذين ليسوا من الحكومات, هناك 20 بالمئة من الإنسانية مستبعدة, أي ان العالم عبارة عن خزي وعار. قبل ان نصبح على مظهرنا الحالي في الكرة الأرضية, لم توجد القسوة, وكذلك التعذيب, فالإنسان هو من ابتكرها. هل من الممكن ان تكون متفائلا في عالم كهذا؟ لذلك, في عملية البحث فيما نحن عليه, ينبغي ان لا ننسى إننا قادرون على القيام بالأفضل وبالأضواء ذلك أننا نحمل البهيمة في داخلنا وما يجب فعله طوال الحياة ليس تجاهله وإنما مراقبته.

ترجمة: باسل حمودة


———————
عن كلارين ـ الأرجنتين

البيان الثقافي- الأحد21 ذو الحجة 1421هـ 18 مارس 2001 -العدد62

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق