نحن الذين ..حكيم مرزوقي

تعبت من وجهي يمازحني في البيت

ثمّ يتنكّر لي أمام مرايا المصاعد وآلات التصوير.

سئمت من صوتي يباغتني بالهمهمة

أمام امرأة جميلة وبالسكوت أمام شخص وقح

وبالتلعثم أمام منبر ممل.

ضجرت من كلّ شيء يباغتني: مكان أنا فيه

نديم لا يفاجئني وفكرة تهشّم رأسي وتطير..

تطير ولا أقبض سوى على حقيبة تسحلني من أيّام الدراسة الأولى..

الحقيبة التي لم أضف إلى محتوياتها شيئاً يذكر

سوى فرشاة أسنان وجواز سفر يغادران معي

كلّ مرّة أغادر فيها بيتا كنت أسكنه وامرأة كانت تسكنني.

[…]

ظهري يشدّه الصمغ إلى الجدار الورقي

خرزة في القلب

أنفي يسيل منه حبر ختم وطني

يمسكني من يهمّه الأمر بين السبابة والإبهام

أحاول أن أبتسم إليه من خلف الجدار البلاستيكي

كلّ هذا أضعه في جيبي الخلفي

وأمضي كلّ صباح في الزحام .

[…]

مثل (كان) لم يعد لي إلا بضع أخوات

يرفعن أسمي

وهنَّ متباهيات أمام جارة ثرثارة

أو زوج غبي وكالفاتحة؛

لا أقع على شفاههن

إلا أمام قبر أمي وأبي.

[…]

راقصت ساندريلا عسكرياً عريض الرأس

متلألئ النياشين

وحينما دنت ساعة الصفر

التحق العسكري بقطعته

في اليوم التالي حملت ساندريلا فردة البوط

تبحث عن صاحبها في الأسواق

كل ما سألت أحدهم ذعر وتلمّس رقبته

[…]

كنا صغاراً

وكانت عصا المؤدب في الكتّاب أطول

من ألسنتنا جميعاً

كانت عصاه لا تستهدف إلا رؤوسنا الخضراء الصغيرة

كنا نستخدم الألواح ترساً لصد ضرباته الموجعة

فتتألم الكلمات

وتتساقط همزات القطع والوصل

وحروف العلة والجر

من يومها نشأت كلماتنا خائفة عرجاء.

[…]

نحن الذين لا تطرق أبوابنا إلا الفواتير والدائنون

نحن الذين لا تقبّلنا إلا أمواس الحلاقة في الصباح

نحن الذين تسخر منا مرايا المصاعد

وأضواء السيارات كل مساء

نحن الذين تبرأت منهم ألسنتهم عند الإهانة،

خاصراتهم عند الرقص

وحكوماتهم عند اللزوم

نحن الذين تبصق الطائرات والسماء والجرائد والعصافير فوقهم

فيضحكون

نحن الذين قلنا للزمن “كن” فلم يكن

[…]

ومثل قطارات بلاد الهند الفقيرة

أمضي إليك مغمّسا بالناس

ترينني ولا أراك تنعشني

الأهبة للرحيل

ويقتلني الوصول

فمضيت صافرة مبحوحة وحقائب كثيرة،

ولا.. حراك

وحيداً ومتجهماً

مثل قبلة في الهواء

وإله كفرت به كل الأقوام وخانه الأنبياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق